حبيب الله الهاشمي الخوئي
312
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الرّاسخين في العلم إذا وصلوا إلى المتشابهات وإلى ما جهلوا كشف القناع والغطاء عنها وقفوا عندها واعترفوا بها إجمالا كما حكى الله عنهم بقوله : * ( يَقُولُونَ آمَنَّا بِه كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) * . ولا يتعدّون عن ذلك حتى يقتحموا في المهالك . فان قلت : من المراد بالرّاسخين في العلم وما المراد بالغيب المحجوب وما ذا أراد عليه السّلام بالسّدد المضروبة دون الغيوب قلت : أما الرّاسخون في العلم فهم الثابتون فيه والضابطون له كأئمة الدّين وأولياء اليقين الحاملين لأسرار النّبوة وأعباء الولاية وبعض خواصّهم المقتبسين من أنوار الهداية والمهتدين بنور الإمامة . وأمّا المراد بالغيب المحجوب فهو ما غاب عن الخلق علمه وخفى مأخذه إما لعدم الاستعداد والقابليّة وقصور الطبيعة عن الادراك كذات الله وصفاته الذّاتية ، وإمّا لاقتضاء الحكمة والمصلحة للاخفاء ، كعلم السّاعة وما في الأرحام ونحوهما ممّا حجب الله علمه عن العباد ، ومن ذلك القبيل الآيات المتشابهة . وأمّا المراد بالسّدد المضروبة فهي الحجب المانعة من الوصول إلى الغيب ، وهي بالنسبة إلى الغيب المحجوب بها على قسمين : أحدهما ما هي قابلة للارتفاع إمّا بالرّياضيات والمجاهدات كما يحصل للبعض فيعرف ضماير بعض العباد ويطلع على بعض المخبيات ويخبر عن بعض المغيبات ، وإمّا بتعليم من الله سبحانه كما كان في حق الأنبياء والأولياء فانّ عمدة معجزاتهم كانت من قبيل معرفتهم بالغيب وإخبارهم من المغيبات ، وإليه الإشارة في قوله تعالى : * ( وعِنْدَه مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) * . يعني أنّه عالم بكلّ شيء من مبتدءات الأمور وعواقبها ، وأنّه الذي يفتح باب العلم ويرفع الحجاب عن الغيب لمن يريد من الأنبياء والأولياء ، لأنّه لا يعلم الغيب